أهلا وسهلا بكم في منتديات الجنيد

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدى(الجنرال)

أهلا وسهلا بكم في منتديات الجنيد

ملتقى الاحبة
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةبحـثس .و .جالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الجزء الثاني مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
علي الحجازي الحسني
جنيدي سنفور
جنيدي سنفور


ذكر العمر : 51
تاريخ الميلاد : 02/02/1966
عدد المساهمات : 18
الابراج : الدلو
تاريخ التسجيل : 20/12/2012
العمل/الترفيه : مدرس

مُساهمةموضوع: الجزء الثاني مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة)   الجمعة ديسمبر 21, 2012 12:58 am


جبروت يوسف القرمانلي و طغيانه.

سمع (يوسف بيك) أصغر أولاد على باشا القرمانلي بأمر الإستغاثة بالباب العالي و خشي أن يأتي ضابط من الأستانة فيأخذ منهم الولاية .. فقصد الشيخ (خليفة بن عون المحمودي) شيخ قبيلة (النويرات) وطلب منه معاضدته للوصول إلى الحكم .. وعزل والده لأنه كبر وأصبح عاجزاً عن القيام بأمور الولاية.. فوافقه (المحمودي) وجمع جموعه وأتى معه لحصار مدينة طرابلس... ولما وصل يوسف القرمانلي القلعة دخل على أخيه (حسن بيك) ليقتله فمنعته أُمه.. فقطع يديها وقتل أخاه وشدد الحصار على والده !!! وفي هذه الفترة قدم من الأستانة (علي بُرغل باشا) والياً لطرابلس بأمر السلطان العثماني .. وفوجئ يوسف بيك بوصول (علي بُرغل باشا) كما أسقط والده المُحاصر في يده .. وفكروا في محاربة القادم ... ولكنهم وجدوا أنفسهم غير قادرين على محاربته.. فقرروا الخروج جميعاً من طرابلس هاربين إلى تونس وفي صحبتهم الأخ الأكبر (أحمد بيك القرمانلي) فأكرمهم والي تونس (حموده باشا) وبعد مضي فترة من الزمن أرسل والي طرابلس (علي برغل باشا) حملة إلى بلدة (جِربة) فاستولى عليها.. وقد كانت تابعة لولاية تونس فغضب والي تونس حموده باشا وجهز حملة كبيرة وأرسلها لمحاربة (علي بُرغل باشا) وأرسل مع الحملة أبناء (علي باشا القرمانلي) يوسف بيك وأحمد بيك فخرجت الحملة من تونس وكلما مرت ببلدة أو قرية أو قبيلة هددتها بالحرب إن لم تستسلم و تذعن لأمرهم ..

وصلت الحملة إلى ولاية طرابلس واشتدت الحرب فيها بين الفريقين ثم أحس (علي برغل) بالهزيمة فشرد وترك الولاية وعمد إلى مصر وسُلِمت البلد لقائد الحملة (مصطفى خوجه) وقد نصب مصطفى خوجه بدوره أكبر أولاد علي باشا القرمانلي (أحمد بيك) والياً لطرابلس وبذلك عادت ولاية طرابلس لآل القرمانلي .. ولم تدم ولاية (علي برغل) إلا سنتين فقط .. ثم نصب مصطفى خوجه أيضاً يوسف بك القرمانلي أميراً للعُربان تابعاً لأخيه أحمد بيك.. فدامت ولاية أحمد بيك القرمانلي سنة واحدة فقط حيث انقلب عليه أخوه يوسف وعزله وأودعه السجن وتولى الولاية بعده وذلك سنة 1210 هجري – 1795 ميلادي.
يوسف باشا والياً على طرابلس

كان يوسف متمتعاً بجرأة و شدة بأس.. فهابته الأهالي و الجنود..و استقامت ولايته..ثم راسل والي تونس وطلب منه التوسط لدى مقام الخلافة للموافقة على ولايته لطرابلس فتوسط له وتمت الموافقة من الباب العالي فجَدّ يوسف واجتهد ورتب الأمور وساس البلاد وتتبع الأشرار وأجرى إصلاحات عظيمة وأصلح الأسطول وزاده حتى بلغ (13 أسطولاً) يجوب البحار .. وهابته السفن الأجنبية وبنى أبراجأ وقلاعاً حصينة وعمرّ أسواقاً ومهد طرقاً وازدهرت البلاد في أول ولايته ووسطها ..

وفي عهده أحتل (نابليون بونابرت) مصر سنة 1213 هجري - 1798 ميلادي... وخلال ولاية يوسف باشا هاجمت البحرية الأمريكية لأول مرة سواحل طرابلس الغرب، وقد كان أخوه (أحمد بيك) المعزول قد فرّ من السجن ولحق بجزيرة مالطة... فانتهز الأمريكان الفرصة واتصلوا بأحمد بيك وجهزوه بحملة وأنزلوه بساحل مدينة درنة مزوداً بقوة من جنود البحرية الأمريكية وذلك سنة 1217 هجري – 1802 ميلادي . ففرح الأهالي ورحبوا بمقدم (أحمد بيك القرمانلي) خاصة بعد أن قطع الأمريكان على أنفسهم عهداً بمساعدته حتى يستعيد حُكمَه من أخيه يوسف باشا .. فاحتال يوسف ووسّط والي الجزائر (حسن بيك) كما وسّطَ قنصل بريطانيا في طرابلس للمصالحة مع الأمريكان .. ونجحت الوساطة وعُقدت معاهدة صًلح بين يوسف القرمانلي والأمريكان وبموجبها أقلعت السفن الأمريكية عن درنة بعد أن نقضوا عهدهم مع أخيه (أحمد بيك) واصطحبوه معهم إلى الإسكندرية ثم أهملوه بها ..

يوسف القرمانلي يخضع برقة و فزان لسلطته

أرسل يوسف باشا ابنه (محمد بيك) في جيش كبير لمقاومة عمه (أحمد بيك) .. فوصل هذا الجيش إلى درنة بعد أن انسحبت سفن الأمريكان منها .. ووفدت إليه العُربان و القبائل حيث جددوا البيعة لوالده يوسف باشا. و في زمن ولاية يوسف باشا تمرد أهل غريان فنبذوا أوامره فأدبهم وأبادهم ، كما ثار الشيخ (أحمد سيف النصر) سنة 1221 هجري – 1806 ميلادي، ونبذ الطاعة وتعرض لبعض السفن في البحر فأرسل إليه يوسف باشا ابنه محمد بيك وحاربه وقتله وأخذ ابنه (عبد الجليل سيف النصر) أسيراً إلى طرابلس .. وثار أيضاً أهل مدينة (غدامس) وعصوا .. فحاربهم وأجبرهم على الخضوع .. وفي سنة 1227 هجري – 1812 - ميلادي . امتنع حاكم فزان (محمد الشريف) عن دفع الزكاة والضرائب فأرسل إليه يوسف باشا (محمد المكنى) ولما قارب فزان اتصل (محمد المُكنى) بابن أخي حاكم فزان وقال له: إن تحايلت في قتل عمك وليتك وجعلتك مكانه.. فذهب هذا واحتال على عمه وقتله غيلة... ولما دخل (المكنى) فزان طلب القاتل وأوعز إلى بعض أقربائه بأن يطالبوه بدمه... وأحضروا الشهود فسلمه لهم وقتلوه "وهكذا تفعل الحكام".

نهاية حكم آل القرمانلي

بعد أن طالت مدة حكم يوسف باشا و- كبر و- ضعف جسمه وقل تفكيره... اختلت أموره و- تجاسرت عليه الدول والقبائل كما ثار عليه الشيخ (عبد الجليل سيف النصر) سنة 1242 هجري - 1827 - ميلادي. وثار عليه كذلك أهل الجبل الغربي.. وبدأت الأمور لديه تتفاقم حيث ناوشته حكومة نابولي وسردينية وجينوة وأسبانيا و فرنسا وبريطانيا : كلهم اتفقوا على التسلط عليه والحد من سطوته.. و- في نفس الوقت نفد ما بيده من الخزانة.. فاضطر إلى تحميل الأهالي ما لا يُطيقون من الضرائب وقسم الولاية بين أولاده فأعطى لأبنه (علي الكبير) غريان ولأبنه (مصطفى بيك) مصراته ولإبنه عثمان مدينة الخمس ولإبنه عمر ورفلة ولإبنه إبراهيم ازليتن و- لمملوكه مصطفى بيك (درنة) فأصبح كل فرد من أولاده يعمل خلاف المصلحة العامة للبلاد.. فساءت الحالة العامة جداً و- ثار أهل المنشية على (يوسف باشا) ومعهم ولده (محمد بيك) واستغلت الدول الأجنبية ضعف سلطته.. و- سقطت هيبته في قلوب القبائل فتنازل لأبنه (علي بيك) سنة 1249 هجري - 1833 - ميلادي. بعد أن دام حكمه 39 سنة. فازداد الثوار عتواً و- نفورا.. وكان قد وصل إلى طرابلس (شاكر أفندي) موفداً من قبل السلطان لـ (علي بيك) الذي تنازل له والده، و- لكن شاكر أفندي وجد البلاد في حالة فوضى ووجد عموم الأهالي مُصرين على التخلص من عائلة القرمانلي، فرجع إلى استانبول و- أخبر السلطان (محمود الأول بن عبد المجيد الأول) بحالة البلاد فعين الفريق (نجيب باشا) والياً لولاية طرابلس الغرب فقدم إليها و- معه اثنان وعشرون أسطولا حربياً محملة بالجنود والمعدات والأرزاق.. فاحتفل علي بيك بقدومه أولاً ثم بعد شهر طلب نجيب باشا علي القرمانلي إلى إحدى المراكب باسم الضيافة.. فلما وصل إليه أمر بإلقاء القبض عليه ونزل بجنوده إلى البر وأعلن ولايته لطرابلس ثم قرأ الفرمان السلطاني بتوليته.. ففرح الناس فرحاً شديداً ولما سمع محمد بيك بن يوسف باشا بمصير أخيه (علي القرمانلي) أقدم على قتل نفسه !! وفر أخوه أحمد بيك يوسف إلى مالطة. وأما علي القرمانلي وأتباعه فقد أرسلهم نجيب باشا إلى استانبول. وبذلك انطوت صحيفة القرمانليين وانتهى حكمهم سنة 1251 هجري – 1835 – ميلادي. وذلك بعد أن دام قرابة (126 سنة). وسبحان من لا يزول حكمه وسلطانه.
(رحلة الإمام السنوسي الأولى إلى برقة ومصر)

في أول عام 1238 هجري – 1822 – ميلاد، أستأنف رحلته إلى برقة وقبل وصوله إلى مدينة (إجدابيا) مر على نجع شيخ قبيلة المغاربة الشيخ (علي لطيوش) فأكرم نُزله وقام بخدمته خير قيام دون سابق معرفة ورافقه إلى (إجدابيا) وجهزه إلى واحة (أوجلة) فنال بذلك خيراً لم يزل أثره في عقبه .. ولم يمر السيد السنوسي في رحلته هذه على مدينة ( بنغازي) ولا على المدن الساحلية بل توجه إلى أوجلة وزار صاحب رسول الله (عبدالله بن سعد بن أبي سرح) رضي الله عنه وفاز بمعرفته أهل أوجلة قبل غيرهم ومنهم الشيخ (عمر بو حوا الأوجلي) تعرف عليه وأخذ عنه العلم الشرعي ولحقه بعد ذلك في الحجاز .. ولم يرافقه في طريقه هذه سوى مملوك لسيادته والسيد (عبدالله التواتي) الذي لازمه ولم يفارقه منذ أن تعرف عليه، وأخذ عنه في مدينة الأغواط الجزائرية، وكان الشيخ محمد بن علي السنوسي يتنقل مع بعض القوافل ويرافقها من مكان إلى آخر حتى وصل إلى مدينة (القاهرة) عن طريق الصحراء، وبمروره على قبيلة المغاربة ونزوله بإجدابيا تعرف عليه كثير من أهالي برقة البيضاء وشاع ذكره الطيب في عموم برقة، وتحسر الكثير لعدم رؤيته.. وكان وصوله إلى القاهرة متوسط عام 1238 هجري – 1823 ميلادي. إبان حكم (محمد علي باشا) مؤسس العائلة الخديوية بمصر .. فنزل في بعض أروقة الجامع الأزهر لكونه لم يظهر أمره بعد.. وفعلاً لم يشتهر إلا بعد اجتماعه بأستاذه السيد (أحمد بن إدريس العرائشي) وأخذ العلم عنه في مكة كما سيتضح فيما بعد .. ثم قام بزيارة شيوخه الذين كان قد أخذ عنهم العلم عام 1232 هجري – 1817 ميلادي كما تقدم ذكرهم.. وتردد على حلقات كبار المشايخ أولاً ثم أخذ عن بعضهم وبدأ يشاركهم في التدريس حُسبة لله.. وسمع به طلبة العلم .. فلم يتخلف أحدٌ ممن سمع به حيث وجدوا عنده ضالتهم التي ينشدونها وتغربوا من أجلها .. وبعد إقامته بمصر قرابة سنتين ونصف والى رحلته إلى مكة المكرمة عن طريق الحاجّ الصحراوية وبصحبته حُجاج عام 1241 هجري – 1826 ميلادي. فمر على المحطات الآتية: البركة والبويب ثم عجرد ثم النواطير الأول والثاني والثالث وكلها أنصاب في صحراء سيناء الرملية، فالعلوة، فجنادل حسن، فقرية نخل ثم بئر قريص، ويُقال لها بئر طابة ثم أيله وهي إيلات (مدين) (فالعقبة) فحقل ثم الشرفا فمغاير شعيب وعيون القصب ثم المويلح ثم سلمى فاصطبل عنتر ثم الوجّة فعكرة والحنك فالحوراء فالخضيرة فينبع البحر ثم الشعيفة فمستورة فرابغ فبئر الهندي ثم القضيمة فخليص فعسفان فقديد فمر الظهران فمكة المكرمة .. وما بين مكة ومر الظهران مقام أم المؤمنين سيدتنا (ميمونة الهلالية) رضي الله عنها في منتصف الطريق، وكذلك قبل دخول مكة بنحو خمسة فراسخ توجد قرية التنعيم وهي محل العُمرة بالنسبة لسكان مكة وهذا المكان هو الذي اعتمرت منه أم المؤمنين سيدتنا (عائشة ابنة أبي بكر الصديق) رضي الله عنها .. وما بين التنعيم ومكة محل يُسمى في الوقت الحاضر الشهداء وهذا المكان هو(فخ) الذي وقعت فيه مقتلة الحسنين (سلالة الحسن بن علي بن أبي طالب) أيام الخليفة (محمد الهادي العباسي) والتي بسببها فر السيد (إدريس الأكبر) ابن عبد الله الكامل إلى المغرب.. وكانت فاجعة عظيمة فني فيها الكثير من الحسنيين والحسينيين (سلالة الحسين بن علي رضي الله عنهم أجمعين).

(وصوله إلى مكة المكرمة)

كان وصول السيد محمد بن علي السنوسي إلى مكة المكرمة في النصف الأول من شهر ذي القعدة عام 1241 هجري – 1826 ميلادي. وكان السيد السنوسي قد نذر لله تعالى وقف نفسه الشريفة على خدمة الكعبة المشرفة إذا سخر الله له وعاد إليها تقرباً إلى الله تعالى وتواضعاً له ومجاهدة لنفسه الشريفة .. وكان عازماً على المضي في ذلك .. غير أن الله تعالى رفع قدره الشريف وهيأه لما هو أعم وأنفع .. ومن تواضع لله رفعه، فاجتمع بعد وصوله مكة المكرمة بنخبة العلماء والأولياء الجامع ما بين الطريقة والحقيقة مُربي المريدين ومُحي سنة جده الأمين ذي المدد النفيس السيد (أحمد بن عبد الله بن إدريس) رحمه الله.. فأخذ عنه وانقطع إليه بعد أن قام بوفاء نذره واشترك في خدمة الحرم الشريف بقدر ما يسر الله له.

(ولادة السيد الإمام أحمد بن إدريس و نشأته)

كانت ولادة هذا الحَبرُ العظيم عام 1163 هجري – 1750 ميلادي. ببلدة ميسور أو ببلدة العرائش التابعة لسلطنة فاس ومراكش وكان لهذا الإمام العظيم شأن كبير حيث نشأ أولاً في موقع رأسه الشريف "العرائش" وبعد أن ترعرع وحفظ القرآن العظيم وكثيراً من المتون ونال قسطاً وافراً من العلوم وبلغ العشرين من عمره انتقل إلى بلدة فاس عاصمة السلطنة المغربية إذ ذاك وانتسب إلى جامع القرويين بها، ومكث يطلب العلم أولاً ثم يدرِّس ثانياً نحواً من ثلاثين عاماً .. إلا أنه كان يرحل أحياناً أثناء دراسته هذه إلى بعض الشيوخ الكبار في بعض ملحقات فاس للأخذ عنهم، ولم يترك في زمنه أحداً من الشيوخ المعتبرين والذين عاصرهم إلا ورحل إليه وأخذ عنه العلم .. وهؤلاء شيوخه رضي الله عنه و عنهم.

(شيوخ الإمام أحمد بن عبدالله بن إدريس بفاس و بلاد المغرب)

أولهم الإمام المُحدث الكبير الشيخ محمد التاودي بن سودة المتوفي سنة 1209 هجري – 1795 ميلادي. والشيخ محمد أبو عبد الكريم الذهبي المتوفي سنة 1199 هجري. – 1785 ميلادي. والشيخ عبد القادر بن أحمد العربي بن شقرون المتوفي سنة 1216 هجري – 1801 ميلادي. والشيخ المجيدري الشنقيطي، وكان شيخه في السلوك أولاً ثم كان خاتمهم بفاس الشيخ الكبير عبد الوهاب التازي وهو الذي تمّ أمره وعلا شأنه على يده إذ كان عمدته في كافة مروياته، وكان الشيخ عبد الوهاب التازي - قبل أن يعرفه السيد أحمد بن إدريس - يحضر كمستمع في حلقة السيد أحمد بن إدريس وكان يعجبه صوته كما تعجبه طريقة تدريسه، وكان السيد أحمد بن إدريس يرجع في أموره ومشاوراته وسلوكه إلى الشيخ المجيدري الشنقيطي، وكان المجيدري تلميذاً للشيخ عبد الوهاب التازي .. وصادف أن عرضت مسألة للسيد أحمد بن إدريس فاستشار فيها شيخه المجيدري فقال له : حتى أشاور شيخي التازي .. فقال له السيد أحمد بن إدريس ألك شيخ أكبر منك؟ قال نعم! شيخي و عمدتي هو الشيخ عبد الوهاب التازي ، فقال له: إذن اجمعني به .. فأتى المجيدري إلى التازي و أخبره فقال له ذات مرة: ليأتيني... فجاءه الإمام أحمد بن إدريس وأخذ عنه العلم و انقطع له كلياً، وكان يلازم طريقة الحياء معه ولا يرفع صوته عنده .. فكان الشيخ التازي يقول له أحياناً: وين تلك الهدرة يا أحمد.. ويعني بذلك نبرات صوته لما كان يُدرِّس ببلدة تازة من بلدان المغرب الأقصى قرب حدود الجزائر، وكانت مدينة علم ورخاء ولا تزال كذلك. وبعد ملازمة السيد أحمد بن إدريس للشيخ عبد الوهاب التازي مدة مباركة قدر الله وتُوفي رحمه الله. وبعد وفاة العلاَّمة التازي لازم السيد أحمد بن إدريس الشيخ أبا القاسم الوزير، وكان من الصالحين الكبار وذوي المقامات العالية إلا أنه كان متستراً .. غير أن المدة لم تطل، فتوفي الشيخ أبو القاسم الوزير، وبعد وفاته عقد السيد أحمد بن إدريس العزم على التوجه إلى جهة المشرق والحجاز ليتزود بعلوم أكثر وليقضي فرضه ويتشرف بزيارة جده الأعظم سيدنا محمد وليهاجر إلى الحرمين الشريفين

(رحلة السيد أحمد بن إدريس من فاس إلى المشرق)

بدأت رحلته من فاس أواسط عام 1212 هجري – 1797 ميلادي. ومر في طريقه على الجزائر وتونس وطرابلس و بنغازي .. كل ذلك سيراً، وكان طريق البر من بنغازي إلى حدود مصر تَحُفُهُ المخاطر من بعض الأعراب المتحاربين.. لذلك قرر الركوب بحراً من بنغازي إلى الإسكندرية بعد أن مكث في بنغازي مدة من الزمن تعرف أثناءها على بعض العائلات وألقى دروساً في بعض مساجدها وأثنى على أهلها وعلى أهل الجبل الأخضر وبرقه وقال فيهم "هذه بلادنا.. فيها تحيا أورادنا.. حيها سعيد و ميتها شهيد .. طوبى لمن أراد الخير بأهلها وويلٌ لمن أراد الشر بأهلها" وكانت إشارته هذه إلى السيد محمد بن علي السنوسي حيث هو الذي أخذ عنه وهو خليفته الذي أحيا علومه وأوراده.. ثم أبحر من بنغازي عام 1213 هجري 1798 – ميلادي. بمركب شراعي إلى الإسكندرية، وعند وصوله إليها ونزوله بالجمرك كانت معه كُتبٌ ثمينة قيمة لا تُفارقه لحظة و لا يرضى بها بديلاً .. فجاء المفتشون بالجمرك وسألوه عنها وكانت الكتب داخل أكياس محكمة القفل لأجل الحمل في السفر، فقال لهم: هذه كُتُب..فأخذوا يطعنون الأكياس بأسياخ الحديد المجوفة وهو يصيح ويقول لهم "حرام ٌ عليكم لا تمزقوا كتبي" فلم يلتفتوا إليه .. عند ذلك رفع يديه إلى السماء وقال: يا رب.. جيب لهم النصارى .. أي سلط عليهم النصارى. وقد استجاب الله دعاءه فلم تنتهي تلك السنة حتى دخلها القائد الفرنسي نابليون بجيوشه سنة 1213 هجري – 1798 – ميلادي. واستولى على الإسكندرية وسواحلها .. وبعد وصول الإمام إلى القاهرة توقف بالأزهر مدة يسيرة قام خلالها بإلقاء بعض الدروس في جامع الأزهر .. فأُعجب به كل من حضره وسمع عنه .. و لذلك أخذ عنه شيوخٌ كثيرون، ورافقه بعضهم إلى الحجاز .. ودخل مكة آخر عام 1213 هجري – 1799 ميلادي. ومكث في الحرمين الشريفين ما بين مكة والمدينة والطائف قُرابة ثلاثين عاماً قضاها في التدريس ونفع العباد وإرشادهم إلى الطريق المستقيم ودعوتهم للعمل بما يوجبه عليهم دينهم الإسلامي الحنيف.. هذا وقد خرج الإمام بن إدريس من مكة قاصداً الصعيد بمصر لغير مرة .. قام خلالها بالدعوة إلى الله .. وأخذ العلم في الصعيد عن الشيخين الجليلين (حسن بن حسن الفنائي) و(محمود الكردي) .. ثم عاد إلى مكة المكرمة دون إقامة طويلة وإنما كانت جملة إقامته في الصعيد حوالي خمسة أعوام. ولم يبق خلال هذه الفترة عالم من علماء الحرمين الشريفين أو ممن يفد على الحرمين إلا وتتلمذ عليه وأخذ عنه .. وممن أخذ عنه الشيخ محمد بن عثمان المرغني "مؤسس الطريقة المرغنية" والشيخ إبراهيم الرشيدي مؤسس الطريقة الرشيدية والشيخ محمد حسن ظافر المدني الدرقاوي والشيخ محمد عابد سندي صاحب الأسانيد المُسمّاة "حصر الشارد في أسانيد محمد عابد" ومنهم الشيخ (محمد الصاوي الخلوتي) خليفة الشيخ "دردير" ومنهم العلامة عبد الرحمن بن سليمان الأهدل مفتي زبيد، ومنهم الشيخ عبد الرحمن بن أحمد البهكلي قاضي بيت الفقيه ومنهم أحمد بن عبدالله صائم الدهر ومنهم العلاّمة أحمد بن محمد الديلمي من قضاة زُبيد والشيخ سليمان بن أبي القاسم الأهدل والعلامة عبد الكريم العنسمي .. وغيرهم ممن لا يُحصون .. وتخرج على يديه أعلامٌ خدموا هذا الدين الإسلامي الحنيف – جزاه الله عن المسلمين خير الجزاء - وأثناء وجوده بمكة سنة 1218 هجري – 1803 – ميلادي. دخلها السعوديون وكانوا يطلقون عليهم "الوهابيون" لإتباعهم الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) داعية نجد، وكان أميرهم إذ ذاك الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود.. ثم خرجوا من الحجاز وبعد وفاة الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود عام 1220 هجري – 1805 – ميلادي. تولى ابنه الإمام سعود الكبير بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ودخل الحجاز ثانياً عام 1221 هجري – 1806 – ميلادي. ومكث السعوديون بالحجاز سبع سنوات.. ثم حاربهم حاكم مصر (محمد علي باشا) بأمر من الحكومة العثمانية وأخرجهم عام 1228 هجري – 1813 – ميلادي. وكان أمير مكة إذ ذاك من الأشراف واسمه الشريف (غالب بن مساعد).

(دخول الأمير سعود بن عبد العزيز لمكة و لقائه السيد أحمد بن إدريس)

كان للسيد أحمد بن إدريس أتباع كثيرون..و كان بعضهم قد تصدى للرد والقدح في معتقد الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) فلما قدر الله وجاءت الجيوش السُعودية لاحتلال مكة، قال هؤلاء العلماء للسيد أحمد بن إدريس: أُخرج بنا من مكة لأنهم إن وجدونا بها بطشوا بنا، فقال لهم إنني لا آمر أحداً منكم بالخروج من مكة ولا أنهاه .. غير أني أقول لكم: من بقى فلن يلحقه إلا الخير إن شاء الله تعالى.., أما أنا فإني مقيم بمكة ولن أخرج منها.. فهرب بعضهم و بقي البعض الآخر .. وبعد وصول الأمير سعود ودخوله مكة، وقد كان شديداً ومتعصباً لمذهبه .. جاءه السيد أحمد بن إدريس حسب العادة للتهنئة والسلام عليه.. فقابله بن سعود بحفاوة بالغة وأكرمه إكراماً عظيماً وألبسه مشلحاً بيده ثم قال له: يا شيخ كنا أحق بزيارتك وما كنت لتكلف نفسك.. ثم اصدر أوامره إلى كافة حاشيته بعدم التعدي على أحدٍ من أتباع السيد بن إدريس.. كما عفا عن أصحابه الذين كانوا يطعنون في معتقد الشيخ (بن عبد الوهاب) وكان الإمام سعود الكبير هذا قد أمر بتقتيلهم من قبل ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة .. فعفا عنهم وحقن دماءهم .. وهذه سجايا آل سعود ومكارم أخلاقهم التي ورثوها عن أوائلهم وهي العفو عند المقدرة وألا يؤاخذ المسيء بإساءته، وقبول عذر المعتذر مهما كان ذنبه .. وبذلك مكن الله لهم في البلاد وسخر لهم القلوب والعباد، والله لا يضيع من أحسن عملا.. فتعجب الناس لهذا التسخير الإلهي.. ثُم إن السيد أحمد بن إدريس أمر أتباعه بعدم المجادلة أو المناظرة مع أي إنسان .. وإذا سُئلوا عن أي قول أو مذهب يقولون: لا إله إلا الله فقط. وصار هذا ديدنهم مدة وجود السعوديين بمكة وهي الفترة من 1121 هجري – 1709 ميلادي. إلى غاية عام 1228 هجري – 1813 – ميلادي.
(عود إلى رحلة السيد محمد بن علي السنوسي)

بعدما أن وصل مكة واستقر بها كما تقدم ذِكره أي آخر عام 1241 هجري – 1826 ميلادي. وأخذ العلم عن السيد أحمد بن إدريس وانقطع إليه إنقطاعاً كلياً بظاهره وباطنه.. وامتزجا امتزاجاً روحياً كاملاً.. فقد صارح السيد (أحمد بن إدريس) كافّة أتباعه و تلاميذه بأنه خلف عنه تلميذه الوقور السيد (محمد بن علي السنوسي) وأنابه عنه في حالة حضوره وغيابه وموته وحياته .. وصار يقول لهم: ابن السنوسي أنا وأنا ابن السنوسي فمن تبعه تبعنا ومن خالفه خالفنا. وكان هذا التصريح يحرك غيرة بعض تلاميذه ويثير منافستهم في مناسبات كثيرة. وفي عام 1242 هجري – 1827 ميلادي. عَنَّ للسيد أحمد بن إدريس الخروج من مكة إلى جهة اليمن حيث كثر تلاميذه و أتباعه بها، وقد أكثروا من إلحاحهم على سيادته لزيارة بلدانهم و وطنهم لنشر علومه بها، فكان يستخير الله في ذلك مرات عديدة .. فرأى من الإشارات ما يشجعه على السفر، وفعلاً تجهز وخرج من مكة بعد أن مكث بها بما تقدم ذكره.. وبعد أن ترك في الحرمين الشريفين آثاراً خالدة إلى يوم القيامة وكوَّن رجالاً خدموا الدين الإسلامي خدمة صحيحة مفيدة، وكان الإمام (بن إدريس) كثير الزواج كما كان الناس يتبركون و يتشرفون بمصاهرته، ولقد أنجب كثيراً من الأولاد غير أنهم كانت لا تُكتب لهم الحياة.. وقد سمعت من أستاذي المجاهد العظيم (أحمد الشريف السنوسي) قوله: دفن السيد (أحمد بن إدريس) في مقبرة المُعلا بمكة ستين ولداً ذكراً من صُلبه.. ولم يعش له إلا السيد محمد الملقب بالغوث والمولود ببلدة الطائف عام 1218 هجري – 1803 ميلادي. وفي آخر حياته رُزق بولد سماه (عبد العال) وثالثاً صغيراً أسماه مصطفى و قد توفي صغيراً. ولما عزم السيد أحمد بن إدريس على الخروج من مكة إلى اليمن تعلق به أتباعه و معظم تلاميذه ومنهم الإمام محمد بن علي السنوسي ..و ساروا معه مراحل حتى وصل إلى بلدة الليث التي تبعد عن مكة أربع مراحل جهة اليمن فتوقف فيها و جمع تلاميذه المتعلقين به من الحجاز و غيره وقال لهم : ابن السنوسي منا ونحن منه وهو خليفتنا والقائم مقامنا .. فمن أراد منكم أن يرجع معه فليرجع، ومن له القدرة على السفر وأراد مرافقتنا فليفعل.. ثم أمر خليفته (محمد بن علي السنوسي) بالرجوع إلى مكة وأمره أن يقوم مقامه في كل ما له وعليه من نشرٍ لدعوته وتعليم تلاميذه .. ثم أهدى له جارية حبشية هي السيدة (خديجة الحبشية) رحمها الله والتي أنجب منها أربعة عشر ولداً ذكراً ولكنهم لم تُكتب لهم الحياة حيث كان أغلبهم يولد سقطاً و كلهم مدفونون بمقبرة المعلا بمكة المكرمة. وكانت من الصالحات القانتات، وكانت ترافق السيد السنوسي في أسفاره وتتحمل المشاق في خدمته وتمريضه ولم تفارقه لا في سفر ولا في حضر حتى سفره الأخير إلى برقة حيث أبقاها في المدينة المنورة والتي توفيت بها؛ وكانت السيدة خديجة هذه قد بشرت السيدة والدة (محمد المهدي السنوسي) وشقيقه (محمد الشريف السنوسي) بأنها سوف تنجب وقالت لها: إني رأيت في المنام زوجي ابن السنوسي وقد أعطاني سوارين من ذهب وأعطاكِ سوارين من فضة .. فعرفت أنّ من تنجبيه يفُضُ ويكبر .. وأن ما أنجبه أنا يذهب.. وفعلاً كان ذلك بأمر الله، وقد كان من صفاتها أيضاً أنها كانت حادة المزاج سريعة الإنفعال مُستجابة الدعوة.

نعود إلى رحلة السيد محمد بن علي السنوسي، فبعد أن ودع شيخه السيد أحمد بن إدريس رجع إلى مكة مع من رغب الرجوع من الإخوان، وعند وصوله مكة بدأ سيره وعمله على نهج أستاذه وهديه وطريقه حذو القذة بالقذة دون زيادة أو نقصان و نزل في وسط جبل أبي قبيس حيث كان شيخه نازلاً ... بعد ما نزل السيد السنوسي في وسط جبل أبي قبيس الذي كان خالياً من البيوت والسكان.. كان سكناهم في عُشٍ من القش والجريد والخوص .. وقد أرهقهم الحر والمطر والبرد.. لذلك استخار الله تعالى في إقامة بناءٍ لأنهم كانوا يتحاشون إقامة المباني في الأماكن المرتفعة فوق سطح الكعبة المعظمة .. فرأى رضي الله عنه ما يشرح صدره للبناء.. فشرع في بناء المسجد بمساعدة إخوانه وتلاميذه في آخر عام 1243 هجري – 1828 ميلادي. كما أقام بجوار المسجد خلوات للإخوان الغرباء والمنقطعين من طلاب العلم و قد سُمِّيَ هذا المسجد وما يتبعه بزاوية جبل أبي قبيس وهي أول زاوية أسسها الأستاذ الإمام محمد بن علي السنوسي.

(إمارة الأدارسة باليمن .. و علاقتها بالحركة السنوسية)

غادر الإمام (أحمد بن إدريس) الحجاز في سفينة شراعية عام 1242 هجري – 1826 ميلادي. نحو اليمن لنشر الدعوة الإسلامية وتوعية المسلمين بأمور دينهم .. وخلال أربعة أعوام لم يترك الدروس والوعظ والإرشاد يوماً واحداً ...حتى عمَّ نفعه للخاص والعام، وكان يقوم أيضاً بدور الإصلاح بين القبائل المتنازعة .. وأثناء ترحاله لنشر العلم والدعوة إلى الله؛ حط رحاله ببلدة (أبي عريش) وكان أمير تلك المنطقة هو الشريف (علي بن حيدر بن حمود ) من الأشراف، فأكرم نُزُل السيد (بن إدريس) وهيأ له كل أسباب الراحة والإستقرار. ولذلك آثر الإقامة في بلدة (صبيا) بالقرب من أبي عريش، وهناك اجتمعت عليه أممُ كثيرة، ولقد غلب الجهل بالدين والشرع على أكثر أحوال تلك الجهة، ولم يبق لهم من الإسلام إلا اسمه ومن المصحف إلا رسمه .. ولذلك كرس الإمام بن إدريس جهوده في المساجد والمجتمعات وفي بيته حتى كونَّ نخبة مباركة ً من طلاب العلمِ حملوا الأمانة من بعده عملاً بكتاب الله وبالتي هي أحسن ... وهناك وفد إليه تلميذه وخليفته (محمد بن علي السنوسي) من مقر إقامته بمكة مراراً .. وكان يُرتب له قافلةً من مكة تخرج على رأس كل شهر تحمل للشيخ بن إدريس ماء زمزم و كل ما هو ضروري لسيادته طيلة مُكثه في (صبيا ) والتي دامت تسعة أعوام، وقد كانت وفاة الإمام (بن إدريس) في (صبيا) سنة 1253 هجري – 1837 – ميلادي. ولم يحضر السيد محمد بن علي السنوسي وفاة شيخه السيد (أحمد بن إدريس) وبعد وفاته رجع من كان معه من الإخوان إلى مكة. وممن لحق بالإمام السنوسي بمكة ورافقوه في رجوعه إلى برقة و لازموه مدة حياته الشيخ محمد الشقيع ومحمد بن عبد الله السٍني وأحمد أبو القاسم التواني والشيخ عمر بو حوا الأوجلي. ثم استمر أحفاد الإمام أحمد بن إدريس في نشر العلم الشرعي.



الأمير(محمد بن علي الإدريسي)

مؤسس إمارة الأدارسة باليمن

و لقد برز منهم على الساحة السياسية السيد (محمد بن علي الإدريسي) مؤسس إمارة الأدارسة باليمن .. فقد اشتغل بطلب العلم في (صبيا باليمن) ثم انتقل إلى الأزهر بالقاهرة وأتم فيه دراسته الشرعية، ثم ارتحل إلى واحة الجغبوب بليبيا ومنها إلى الكُفرة حيث إقامة الإمام (محمد المهدي السنوسي) فزاره بها ومكث عنده مدة يتتلمذ على يديه.. ثم عاد إلى صعيد مصر حيث زار أبناء عمومته آل السيد (عبد العال الإدريسي) بمنطقة (الزينية) ثم كانت عودته إلى مسقط رأسه باليمن عام 1323 هجري – 1905 – ميلادي. وكانت عودته بطلبٍ مُلحٍ وسريع من والده ومُريديه ومُحبيه وشيوخ القبائل .. وبعد وصوله بقى مع والده قرابة عامٍ ونصف، ثم تُوْفي والده (علي بن محمد بن أحمد بن إدريس). قام بعد ذلك السيد محمد مقام والده بالدعوة إلى الله والإرشاد .. فغار منه الأتراك الموجودون بمنطقة (جيزان وعسير والحُدَيدة) وأرادوا الكيد به وإلقاء القبض عليه ومن ثَمَّ إرساله إلى استانبول مركز الخلافة .. فحال دونه أهل تِهامة قاطبةً وحاربوا الأتراك حتى أجلوهم من تلك الجهة ... وأقاموا السيد (محمد بن علي الإدريسي) أميراً عليهم، وبذلك تأسست الإمارة الإدريسية وتوسعت حتى بلغت نجران والحُدَيدة وعسير .. وحتى قُرب منطقة القُنفدة من ناحية مكة .. ولذلك تضايق من اتساع نفوذ الإمارة الإدريسية كل ُمن إمام اليمن وأمير مكة .. هذا وقد استمرت إمارة الإمام (محمد الإدريسي) أربعة عشر عاماً ثم كانت وفاته سنة 1341 هجري – 1923 – ميلادي. فتولى إبنه الأكبر (علي بن محمد الإدريسي) وبقي في الإمارة ثلاثة أعوام ..ثم تنازل لعمه (الحسن بن علي الإدريسي) والذي استمرت إمارته سبعة أعوام.. ثم ما لبثت إمارة الأدارسة في اليمن أن اضمحلت بعد عدة عوامل يطول شرحها ويضيق بنا المقام لسردها.. فهاجر بعدها السيد (الحسن الإدريسي) وكافة العائلة الإدريسية باليمن إلى مكة وهم الآن مقيمون بها وهم فَرْعُ السادة الأدارسة باليمن. نفع الله بهم وجعلهم شجرة صلاح وفلاح مباركة إلى يوم الدين.

( الزواية السنوسية تنطلق من الحجاز إلى ليبيا )

( تأسيس زاوية جبل أبي قبيس و بقية زواية الحجاز)

بعد أن شرع الإمام محمد بن علي السنوسي في تأسيس زاوية أبي قبيس بمكة و أتمها، تصدر فيها للإفادة والنفع العام فافتتح دروساً في شتى العلوم .. وبذلك أضحت زاوية أبي قبيس كعبة طلاب العلم الشرعي ورواده، ووفد إليه طُلاب العلم من مختلف البلدان الإسلامية .. وكانت دروسه مقسمة للمبتدئين وحفاظ القرآن، و قسمٌ لمن درجوا وقطعوا مراحل في طلب العلم الشرعي، ولذا فقد كان الإمام السنوسي رحمة شاملة لأصناف طبقات الأمة ... كما كانت له دروس عامة في الوعظ والإرشاد إلى عبادة رب العالمين بالطريقة السليمة المستقيمة بلا شائبة زيغ أو إلحاد أو حظ نفسي. بل لقد سلك طريق جده المصطفى – صلى الله عليه وسلم – والتي كان عليها هو وأصحابه – رضوان الله عليهم أجمعين – وكان الإمام السنوسي يُحذر وينهى أشد النهي عن الشعوذة والضلالات .. وكان كذلك يَحُضُ أتباعه على العمل والكسب بعرق الجبين، ويحذرهم من الركون للراحة والبطالة والتطلع إلى ما في أيدي الناس " وهذه التوجيهات كانت تمثل أقوى دعائم نجاح عمل وآليات الحركة السنوسية وتميز أفرادها (لإخوان السنوسيين) إذ كانت كل زاوية بمثابة خلية نحلٍ الكل يعمل بنشاط دؤوب لا كلل فيه .. فبعد طلب العلم الشرعي هناك تعلم الحرفة لطلب الرزق أو الإتجار للإستغناء عن الخلق .. ومن هنا كانت حيوية الدعوة السنوسية تؤهلها لتكون حركة إسلامية تدفع نحو أفق الدولة لا محالة".

(تأسيس الزاوية السنوسية بالطائف)

كان الإمام السنوسي في هذه الأثناء يتردد بين الحرمين الشريفين وبين الفينة والأخرى يزور مدينة (الطائف) حيث كانت إقامته الصيفية بها، وهناك أسس زاويته ما بين عام 1254 – 1254 هجري – 1837 – 1838 – ميلادي. وكان محل هذه الزاوية حيث ركز فيه سيدنا محمد – صلوات الله عليه – رايته حينما فتح الطائف بعد وقعة حُنين؛ ولقد امتزج أهل الطائف بالإمام السنوسي من خلال هذه الزاوية .. ولقد أخذ عنه العلم من أهلها كثيرون، ومن أبرز طلابه في الطائف الشيخ محمد البكري و أخوه أحمد بن صادق البكري، وكذلك الشيخ (حامد بن محمد غانم خيره) وكان أُمياً ففتح الله عليه ببركة إخلاص نيته وجِده واجتهاده، فتعلم قراءة القرآن والكتابة؛ ولما سافر الإمام السنوسي إلى ( برقة ) بليبيا - حيث كانت سفرته الأخيرة – كان الشيخ حامد نائباً لمسئول الزاوية وهو الشيخ (محمد بن إبراهيم الغماري الكبير) وبعد وفاة الشيخ الغُماري ..أصبح الشيخ حامد هو خليفة الإمام السنوسي بالأصالة . ولقد كان مثالاً للصدق والأمانة والإخلاص والنزاهة." وهذه أيضاً من عوامل نجاح دور الزواية السنوسية (معادن الرجال) وحُسن اختيارهم. (*) ثم بعد وفاة الإمام السنوسي أبقى السيد محمد المهدي السنوسي (الشيخ حامد) مسئولاً على زاوية أبي قبيس حتى عام 1303 هجري – 1886 – ميلادي . حيث توفاه الله بالمدينة المنورة؛ فعين الإمام محمد المهدي السنوسي ابن الشيخ حامد المُسمى – محمد السنوسي – خليفة بدل والده. فقام بهذه الخلافة خير قيام ووسع نطاق الأوقاف العائد للزوايا بمكة وجدة والطائف وكثر في عهده (الإخوان السنوسيون) إذ كان مؤلفاً بينهم و مصلحاً بحق وعفيفاً ورِعاً .. ومما يدل على كمال دينه وورعه ما ذكره في ثنايا وصيته من أنه " لا يملك قليلاً ولا كثيراً وليس له حق في أي شيء يتعلق بالوقف السنوسي وأن كل ما أسسه من مباني أو مزارع وملحقاتها فهو مِلكٌ السيد محمد المهدي وأخيه السيد محمد الشريف السنوسي ووقفٌ عليهم وليس له إلا ثوبٌ يلبسه أو لُقمة يأكلها انتهى. وكان رحمه الله تعالى يُكثر التردد على واحة (الجغبوب) ثم في سنة 1320 هجري – 1902 – ميلادي. توجه من الحجاز قاصداً - بلدة (الكُفرة) الواقعة جنوب برقة – لغرض زيارة السادة السنوسية .. فعاجله القضاء والقدر وتوفاه الله بها.. فعظم مصابه على السادة السنوسية والإخوان السنوسيين.

(الأمير عبد القادر الجزائري في ضيافة الإمام السنوسي)

في عام 1242 هجري – 1827 – ميلادي. قدم إلى الحج بطل الجزائر الأمير عبد القادر في صُحبة والده السيد (محي الدين بن عبد القادر الحسيني) وهم من آيالة وهران التابعة للجزائر. كان عمر الأمير عبد القادر حينذاك تسعة عشر عاماً حيث كانت ولادته عام 1223 هجري – 1808 ميلادي. وكان بين الفقيه (محي الدين الحسيني) والسيد (محمد بن علي السنوسي) معرفة سابقة بالجزائر .. فقام والد الأمير عبد القادر بزيارة الإمام السنوسي في زاويته بجبل أبي قبيس ومعه ابنه عبد القادر..فأكرمهما الإمام السنوسي وقدم لهم وجبة من (الكسكسي) وجلس معهم على المائدة غير أنه لم يأكل لمرض ألّمّ به ، فوجه نظره إلى الأمير عبد القادر وصار يعقد أصابعه و يعد اللقم التي يأكلها فأكل الأمير أربع عشرة لُقمة ثم رفع يده عن الطعام فقال له الإمام السنوسي: زد فقال لا أستطيع فكرر له القول وهو يعتذر و يقول لا أستطيع، فقال له الإمام : يا ودِّي زيد... يزيدوك - أي يا ولدي زد زادك الله - فقال: لا أستطيع. فرد عليه الإمام السنوسي قائلاً : هذا الذي كتبه الله . ولكن الأمير لم يفطن لهذه الإشارة ولم يلقِ لها بالاً كما لم يعرف المعنى !! هذا وقد كانت الإشارة من الإمام السنوسي للمدة التي سيحكمها الأمير، وهذا من قبيل الإلهام والكشف الذي يمن الله به على من يشاء من عباده. ولما فرغ الأمير عبد القادر وأبوه من أعمال الحج وأتما الفريضة عام 1243 هجري – 1828 ميلادي. وعزما على العودة إلى الجزائر.. قام الإمام (محمد بن علي السنوسي) يودعهما وقال مُخاطباً الفقيه (محي الدين عبد القادر الحسيني): إن الدين الإسلامي يُحتم على كل مسلمٍ بأن يُدافع عنه بقدر استطاعته ويُحرِّم على المسلمين الاستسلام للعدو الغاصب المعتدي والمنتهك لحرمات الدين والإسلام والمُعطِل لأحكام الله؛ وإني أستوصيك بولدنا عبد القادر هذا خيراً فإنه ممن سيدافع عن حرمات الإسلام ويرفع راية الجهاد .. فكان هذا سبباً في ‘يجاد روح الجهاد والمقاومة فيهما وتفكيرهما في كل ما أوصاهم به السيد السنوسي. وقد صدقت فراسة الإمام السنوسي فلم يمض عام على وصول الأمير عبد القادر وأبيه محي الدين حتى استولى الفرنسيون على مدينة الجزائر العاصمة .. فكانت البيعة للشيخ (محي الدين الحسيني) أولاً ثم بويع للأمير عبد القادر ابن محي الدين الجزائري عام 1248 هجري – 1832 ميلادي. فقام بتنظيم الجيوش وتقدم إلى ساحات الوغى حيث أحرز انتصارات باهرة خاصة في مدينتي وهران ومستغانم ولذلك اضطرت فرنسا إلى عقد عدة اتفاقيات للهدنة .. ثم ما لبثت الحرب أن اشتعل أوارها من جديد .. ولم تستطع فرنسا أن تكسر شوكة الأمير عبد القادر الجزائري إلا بالدسائس وتحريض سلطان المغرب وتهديده.. فأرسل جيشاً قوامه خمسون ألف محارب ، فوقعت ما بين الفريقين حروب طاحنة ضاع فيها مع الأسف خلق كثير من الجانبين الجزائري و المغربي!!! مما اضطر الأمير للتفاهم مع فرنسا على إنهاء حالة الحرب بينهما. وبذلك تمت مقاومة الجهاد التي دامت سبع عشرة سنة كان اللواء لوالده الفقيه (محي الدين) لفترة سنتين ونصف، وبعدها كان اللواء بيد المجاهد البطل الأمير (عبد القادر الجزائري) لفترة أربعة عشر عاماً ونصف حيث تم بعدها التسليم سنة 1261 هجري – 1845 ميلادي.. ولله الأمر من قبل ومن بعد. وكان من بنود المعاهدة أن ينتقل الأمير عبد القادر الجزائري بكامل عائلته إلى مدينة (طولون) بفرنسا. وبعد إقامته بها خمس سنوات سمحت له الحكومة الفرنسية بالسفر إلى استانبول ومنها إلى (بروسه) بتركيا فأقام بها مدة سنتين .. ثم توجه إلى دمشق الشام سوريا حيث أقام بها بقية حياته حتى وافته المنية سنة 1299 هجري – 1883 ميلادي. بعد أن عاش من العمر خمسة وسبعين عاماً... عليه رحمة الرحمن وجزاه الله على جهاده خيراً وأسكنه أعالي الجنان آمين.

(التعريف بحقيقة الزوايا السنوسية)

السنوسية علم وعمل... دعوة وتربية و جهاد

في الحقيقة أن الزوايا حسبما هو معروف في لغة العرب (هي ملتقى كل رُكنين) وزاوية كل شيء تعني رُكنه وجمعه زوايا وزوايا كل شيء أركانه ، مثلما أُحدثت الملاجئ في العهدين الأُموي والعباسي وأصبحت معروفة ومبذولة بكثرة، ولقد أوجدوا بداخل هذه الملاجئ أماكن للغرباء والفقراء والمنقطعين .. وخصصوا لهم معلمين يعلمونهم القرآن وشيئاً من العلوم بصفة مشجعة لطلب العلم .. واشترط أصحاب هذه الملاجئ أنَّ الساكن بها لا بُد وأن يكون من طلبة العلم .. ومع الوقت تغيرت أسماء الملاجئ إلى مدارس وأصبحوا يطلقون عليها مدارس. ولا تزال بعض هذه الأماكن معروفة بهذا الاسم إلى تاريخه في عموم بلدان المسلمين وأغلبها في دمشق ومصر ومكة والمدينة .. ثم تطورت هذه المدارس وكثُر بها الطلبة وسُميت بأسماء الشخصيات الكبيرة التي أسستها، وهذه الشخصيات لها شأنها العظيم من العلم والصلاح والزهد.. كما أصبح لأتباع هذه الشخصيات زيُ مخصوص في أوقات مخصوصة بكيفية مخصوصة، وعُرِفوا بالسادة الصوفية جمع صوفي والصوفي معناه حسب الإصطلاح (هو ذاك الرجل العابد الزاهد في الدنيا وشهواتها والمنقطع لعبادة الله والمشتغل بما يقربه لربه ويبعده عمَّا لا يرضاه و يسعد به في الآخرة). وطبعاً حسب رسوخ هؤلاء السادة في العلم الشرعي وصلاحهم ومكانتهم أصبح لهم أتباعٌ يُعرفون باسم الشخصية التي اختاروها واتبعوها. وكما هو معلوم أن المذاهب الفقهية عند المسلمين محدودة والمعتمدة المتفق عليها أربعة (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي) لذلك لم يستطع الأتباع أن يتسموا باسم المذهب الفقهي .. فاصطلحوا على اسم جديد وهو الطريق (أي طريق فلان) ومعناه "طريقة سلوكه في عبادته وزهده وتعليمه وإرشاده" وأصبح معلوماً لدى عموم المسلمين أن أتباع أي شخص هم أهل طريقته .. ثم اصطلحوا على تسمية المدرسة التي يجتمعون بها ويتعلمون فيها العلم الشرعي ويقيمون فيها أذكارهم وأورادهم (بالزاوية) وعادة تكون الزاوية هي مقر صاحب الطريقة ومقر من يقوم مقامه .. ومع الوقت تطورت هذه الزوايا حتى أصبحت أماكن معروفة للضعفاء والعجزة والمنقطعين والمتطلعين إلى حسنة المحسنين باسم الدين ويغلب عليهم الجمود والكسل.. وربما يظنون أن هذا مما يوجبه الدين لإسلامي !!! وطبعاً لا يقول بهذا إلا الجهلة والراكنون إلى الكسل والبطالة.

(حقيقة الطريقة السنوسية وأصولها)

أما حقيقة الطريقة السنوسية عند السادة السنوسية فهي كما قال مؤسس الطريقة السيد الإمام محمد بن علي السنوسي حيث قال : طرقتنا الكتاب والسنة أي القرآن والحديث وهي مبنية على ثلاثة أصول.

1 – تعلم العلم و تعليمه.
2 – إرشاد العباد لرب العباد ودعوتهم إليه.
3 – الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته

وكان الإمام السنوسي يأمر أصحابه ومريديه و متبعيه بالجد والإجتهاد والمثابرة على العمل وترك التكاسل والكسل .. وكان يقول لهم : الكيمياء في سكة المحراث .. ويقول أيضا: الإسلام قولٌ وعملٌ .. والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وكان يأمر أصحابه ويحتم عليهم بعد تلقيهم العلم الضروري أن يتعلموا أنواع المهن والحِرَف وكيفية الإشتغال بها .. فكان بين أتباعه العلماء الفطاحل والبناؤن الحاذقون والنجارون والخياطون والخرازون والحدادون والمزارعون .. وكان من بينهم أيضاً من يُحسن عمل البارود وأنواع الأسلحة وكيفية إصلاحها .. وفيهم من يجيد عمل السيوف وأنواع آلات السلاح الأبيض .. وبإختصار كانت الزاوية السنوسية بالمعنى الصحيح في كل مكان عبارة عن (وحدة كاملة صغيرة) تحتوي على عموم المستلزمات لحياة الإنسان في دنياه ودينه .. ولذلك عندما قامت الحرب بين السنوسيين والفرنسيين في السودان "قرو – تشاد" وأخيراً مع الطليان في ليبيا .. وجدت الدولتان (فرنسا وإيطاليا) أهل ليبيا على عمومهم جنوداً مجندة مُسلحة بكل ما يلزم وهم يحسنون استعمال أنواع الأسلحة والآلات الحربية ..كما أنهم يتقنون ركوب الخيل ويعرفون فنون المهن الضرورية لهم .. وبذلك استطاعوا المقاومة والصمود أمام عدوهم القوي والمدجج بكافة أنواع السلاح حتى "سلاح الطيران الذي أستخدم لأول مرة في التاريخ" ومع ذلك صمدوا لمدة أثنين وعشرين عاماً مع قلة عددهم وعتادهم أمام قوات الأعداء المؤلفة والمزودة بأحدث آلات الحرب المدمرة من طيارات ودبابات ومدافع ورشاشات ...

ومن هنا يتضح للقارئ الكريم أن (الشخص السنوسي) معناه هو "ذلك الأخ المتعلم والعامل بعلمه ... الداعية الحركي المحترف والمجاهد في سبيل الله. وفي حقيقة الأمر إن السنوسيين لم يأتوا بجديد في دين الإسلام، كما أنهم لم يخرجوا عن كونهم إخوان مسلمين يعملون بأوامر دينهم الحنيف ويطبقونها فعلياً: فهم للصلاة المفروضة مقيمون في أوقاتها وللزكاة هم مؤدون للسائل والمحروم وللعلم هم به آخذون وبه يعملون وهم يعدون العُدة لدفع العدو الصائل المعتدي الغشيم (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) ويأكلون من عرق الجبين وما كسبت أيديهم (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) ويذكرون الله صباح مساء (والذاكرين الله كثيراً والذاكرات) وذكرهم تلاوة القرآن وحفظه عن ظهر قلب والعمل بأوامره وإجتناب نواهيه. هذه حقيقة الفرد السنوسي وحقيقة الزاوية السنوسية أينما وُجِدَت.

(استجابة الإمام السنوسي لداعي الجهاد في الجزائر)

بعد تأسيسه لزاوية الطائف .. تاق الإمام (محمد بن علي السنوسي) للمساهمة في دفع "الصائل الغاشم الفرنسي" عن أرض الجزائر الإسلامية مدفوعاً بالغيرة الإسلامية والحمية الدينية .. فعقد النية لخوض غمار الجهاد المقدس .. فأحضر الإخوان (السنوسيون) وأخبرهم بعزمه قائلاً لهم: من رغب مرافقتنا فليجهز نفسه، ومن أراد جوار الحرمين فله الإذن ولا حرج عليه .. وهذه زاويتنا وبها خليفتنا (الشيخ عبد الله التواتي) - وهو أول شيخ تولى مسئولية زاوية أبي قبيس من بعد المؤسس ابن السنوسي .. ثم توجه الأستاذ السنوسي وبصحبته عدد كبير من (الإخوان السنوسيون) وذلك آخر عام 1255 هجري - مارس 1840 ميلادي. حسبما هو مدونٌ في مذكرات مرافقه الشيخ (محمد صادق البكري) والذي تولى فيما بعد مسؤولية زوايا الجريد بتونس . فتوجه الإمام السنوسي من مكة إلى المدينة المنورة ثم إلى القاهرة و كان قد ذاع صيته في كافة الأمصار الإسلامية، فلما حل بالقاهرة ونول بالجامع الأزهر .. وفد إليه الوفود من طلبة العلم الشرعي من مختلف طبقات الأمة .. وطلب منه بعض شيوخ الأزهر إسماعهم بعضاً من دُررِِ علومه النافعة، فعقد لهم عدة محاضرات ومجالس للعلم.. وفي أثناء إحدى دروسه وقف أحد كبار شيوخ الجامع الأزهر وقال مخاطباً العلماء: أنصتوا أيها العلماء .. فقد حل بين أظهركم إمام الأمة المحمدية ونبراس الشريعة المُطهرة وشمس المعارف الإلهية ألا وهو الشيخ (محمد بن علي السنوسي) - وهذا القول مثبت حرفياً في مخطوط الرحالة التونسي (محمد بن عثمان الحشائشي) والمحفوظ بدار الكتب المصرية - هذا ولقد حاز الإمام السنوسي رضا الجميع عدا شخص واحد وهو الشيخ (عُليش المالكي) والذي رأى في شخص السنوسي منافساً له ونجماً سطع نوره .. فوقعت الغيرة في قلبه !! وأثناء تواجد الإمام السنوسي بالقاهرة كانت صحته معتلة وكان لا يأكل شيئاً سوى شراب من الحليب صباحاً ومساءً فقط .. وكان الذي يقوم على خدمته أحد تلامذته - وهو طالب علم تركي - كان يقدم له كأس الحليب .. فأغواه الشيطان من الإنس أو الجن فوضع له السُمَ في الحليب !!! فما أن شرب الكأس حتى سقطت جميع أسنانه .. واشتد به ألم السُم حتى تدهورت صحته وأشرف على الهلاك. وأخيراً منَّ الله عليه بالشفاء بعد الإسعاف والعلاج إلا أن تداعيات المرض قد أصابته بأوجاع مزمنة في العظام وطفح جلدي كان يظهر عليه سنوياٌ بعد هذه الجريمة.. ثُم أرسل الإمام السنوسي في طلب الشيخ (عبد الله التواتي) من مكة، وعزم على السفر إلى الجزائر .. فاتخذ طريق الصحراء ماراً بواحة (سيوة) ثم واحة (جالو) و قد كان الشيخ (عمر بو حوا الأوجلي) في صحبة ابن السنوسي .. ثم انتقلوا إلى واحة (أوجلة) لزيارة صاحب رسول الله ( عبد الله بن سعد بن أبي السرح) وقد تعرف أهل أوجلة على الإمام السنوسي من قبل حيث مر بهم عام 1238 هجري - 1823 - ميلادي. ففرحوا بمقدمه فرحاً لا يكاد يوصف خاصة أن أوجلة هي بلدة الشيخ (عمر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الجزء الثاني مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أهلا وسهلا بكم في منتديات الجنيد :: منتدى الثقافي-
انتقل الى: