أهلا وسهلا بكم في منتديات الجنيد

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدى(الجنرال)

أهلا وسهلا بكم في منتديات الجنيد

ملتقى الاحبة
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةبحـثس .و .جالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الجزء الرابع مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
علي الحجازي الحسني
جنيدي سنفور
جنيدي سنفور


ذكر العمر : 51
تاريخ الميلاد : 02/02/1966
عدد المساهمات : 18
الابراج : الدلو
تاريخ التسجيل : 20/12/2012
العمل/الترفيه : مدرس

مُساهمةموضوع: الجزء الرابع مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة)   الجمعة ديسمبر 21, 2012 12:53 am

(الإمام محمد المهدي السنوسي و خلافته لوالده)


إن الله سبحانه وتعالى لمَّا خلق الخلق اختار مما أوجد من الأكوان أشياء ميزها عن غيرها من مثيلاتها... فاختار من البشر الرسل الكرام والأنبياء والعلماء والقادة والعظماء مع كون الجميع بشراً .. كما اختار من المعادن أخيرها وأنفسها كالذهب والجواهر... يختص برحمته من يشاء (*) .. وبهذا الإختصاص قدَّر الله في سابق علمه القديم أن يكون السيد محمد المهدي السنوسي من هذا النوع المختار من البشر .. فولِدَ عظيماً ونشأ عظيماً و أجرى الله على يديه أموراً عظيمة وإصلاحات كبيرة ..نشأ في حجر والده فكان يُجِله ويحترمه ويُقدمه على نفسه ويُكْبٍرُه ويقول له: نحن من أتباعك، وذلك قبل أن يعرف منه علماً أو عملاً ..ثم جلس في مقام والده بعد وفاته وعمره لم يناهز السادس عشر ربيعاً... فكان كاملاً في عقله وعلمه وتصرفاته وإدراكاته ... لم يُعرف عنه طيش الشباب ولا أُبهة الحكام بل كان أمره كله جد.. لذلك كبر في أعين إخوان أبيه وعموم أتباعه وعظمت هيبته في قلوبهم فعمَّت به الفائدة وتوسعت الدعوة واطمأنت النفوس والأتباع. ولقد كان وهو الأخ الأكبر يحنو على أخيه الأصغر محمد الشريف ويلفه بعنايته ورعايته فذابت الفوارق بينهما في أعين الآخرين حتى أصبحوا يقولون "قال أسيادنا ونطلب من أسيادنا وحضر أسيادنا ..." بدون تفريق بينهما في أي شيء أبداً .. وكل ذلك بتوفيق من الله تعالى وتسديده ..

إشتركا في الأمر وتقاسما المسئولية فكان الأمام السيد محمد المهدي بصفته الأكبر هو المرجع لأخيه وإخوان أبيه.. هذا ولقد كان السيد محمد الشريف لأخيه بمثابة اليد المؤازرة وعينه الساهرة فلا يكون رأي أو أمر إلا عن طريق أخيه السيد المهدي وبعد أخذ رأيه ومشورته وموافقته .. كل ذلك منطلقه المحبة لا التأمر والتحكم.. وفي الحقيقة إن المواهب التي منَّ الله بها على السيد محمد المهدي والأخلاق التي حلاَّه بها وجبله عليها قد شملت القريب والبعيد ومَلَكَ بها قلوب العباد من حاضرٍ ومن بادٍ ... حتى أصبحوا يُطلقون عليه كلمة "المهدي" بمعناها المفهوم (2) وذلك مع تباعده عنها ونكرانه لها ولومه الشديد لمن يقولها أو يتفوه بها ..

مكث السيد محمد المهدي السنوسي بعد وفاة أبيه في بلدة الجغبوب سبعة و ثلاثين عاماً لم يخرج خلالها من الجغبوب يوماً واحداً .. ومع ذلك كان أمره يشغل بال الدول والحكام .. وكان أتباعه في ازدياد مضطرد يوماً بعد آخر.. كما كانت مهابته ومحبته تتملك شغاف القلوب.. راسله الحكام في إستانبول والحجاز واليمن ومصر والمغرب وبعض ملوك أوروبا رَغبَة في التودد إليه و التقرب منه ..فلم يكترث بأحدٍ منهم ولم يشغل باله بهم كما لم يقدم على الإرتباط بأحدٍ منهم .. فمثلاً قامت في زمنه ثورة عرابي باشا في مصر سنة – 1299 هـجري – 1882 ميلادي. كما قامت دعوة محمد أحمد المهدي في السودان سنة - 1300 هـجري – 1883 ميلادي. وراسله الإثنان وطلبا منه المساعدة والمساهمة وألحا في استمالته .. فلم يلتفت إليهما وقال كلمته المشهورة: (إن هذه الحركات أسبابها حظوظ نفسية ونهايتها محتومة) وكانت أوروبا قد بدأت سباقاً مستعراً للإستيلاء على الممالك الإسلامية ولتمزق جسد الأمة الواحد فتحيله دويلات مستعمرة تتقاسمها فيما بينها ... وأخذ كلٌ منهم يستولي على نصيبه من التركة .. وكان أغلب السودان "أفريقيا" من نصيب فرنسا .. فبعد احتلالها للجزائر في شهر ربيع الأول – 1246 هـجري – 8 – سبتمبر – 1830 ميلادي. بدأت في بسط نفوذها على أراضي السودان .. وكان أتباع السيد (محمد المهدي السنوسي) ينتشرون وينشطون في السودان بكثرة حيث كانوا ينشرون الدعوة الإسلامية بين القبائل وفي القرى الكثيرة المتناثرة ..فوقفت القوات الفرنسية وجيوشها حجر عثرة أمام الدعوة لدين الله وصدت عن السبيل !! فحرك هذا العدوان مشاعر السيد المهدي السنوسي وقرر الوقوف في وجه العدو المعتدي ومنازلته ... فخرج من الجغبوب أولاً إلى (الكُفْرَة) ثم منها إلى بطن السودان "تشاد" ورفع علم الجهاد في وجه فرنسا المعتدية غضباً لله تعالى و سعياً لرفع راية (لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله) والتقى الجمعان و حميَّ الوطيس طيلة سنة وبضعة أشهر .. فكان جهاداً لله تعالى لا لغرض سلطة أو ملك أو إستغلال ..بل غيرة دينية و حمية إسلامية .. وكان الإمام المهدي عازماً على الإستمرار في رفع راية الجهاد المُقدس .. غير أن إرادة الله تعالى اقتضت غير ذلك فكان أن عاجلته المنية في واحة " قَرْو" بتشاد ... والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فلا رادَّ لقضائه ولا مُعقب لحكمه ولا يُسأل عمَّا يفعل سبحانه وتعالى.

(ترجمة حياة السيد محمد المهدي السنوسي)

ولد ليلة الأربعاء أول يوم من شهر ذي القعدة الحرام – 1260 هجري – 12- نوفمبر 1844 ميلادي. في الجبل الأخضر بقرية (ماسَّة) وأسماه والده (أحمد بن إدريس) على اسم أستاذه .. ثم في يومه السابع غير اسمه إلى (محمد المهدي) وسلمه لمرضعته الشريفة (خضراء) زوجة (حسين الشريف) و بعد أن أتم الرضاعة عندها أعادته إلى والدته .. وعندما سافر والده من الجبل الأخضر إلى الحجاز عام - 1262- هجري - 1844- ميلادي. بقي هو مع والدته وشقيقه السيد محمد الشريف يترددان مابين زاويتي البيضاء و درنة حتى بلغ السابعة من عمره.. وفي عام - 1267 هجري - 1851- ميلادي. طلبه والده فسافر بصحبة الرجل الصالح (محمد بن إبراهيم الغماري الكبير) أي كبير إخوته آل الغماري .. وكان سفره في مركب شراعي من بلدة درنة إلى بلدة (خانية) إحدى مواني جزيرة (كريت) اليونانية ومنها إلى الإسكندرية ثم توجه الركب إلى القاهرة براً ومن القاهرة إلى السويس ثم عبروا البحر إلى (ينبع) ثم إلى المدينة المنورة على الجِمال ..و هناك اجتمع بوالده وحج معه عام 1267 هجري – وبعد ذلكم بعام قدمت والدته وشقيقه محمد الشريف إلى الحجاز وحجوا جميعاً مع والدهم ووالدتهم .. ثم في عام 1269 هجري – 1851- ميلادي .رجع والده إلى برقة وبقي السيد المهدي مع والدته وشقيقه في الحجاز مترددين مابين مكة والمدينة لفترة خمسة أعوام ..ثم في عام 1274 هجري – 1858 – ميلادي. طلبه والده إلى الجغبوب صحبة الشيخ (عبد الرحيم المحبوب) وبعدها بعام واحد قدمت والدته وشقيقه محمد الشريف من مكة إلى الجغبوب .. وتزوج هو وشقيقه فاتح عام – 1276 هجري – يوليو – 1859 – ميلادي. ثم تُوُفِيَّ والدهما في التاسع من شهر صفر – 1276 هجري – 7 – سبتمبر 1859- ميلادي. وبقي هو وشقيقه بصحبة والدتهما بالجغبوب ثم جلس في مقام والده وقام بما كان يقوم به الوالد من أعمال إصلاحية ونشر للطريقة السنوسية حتى عام 1312 - هجري - 1894 ميلادي.

(وفاته)

ثم رحل من الجغبوب إلى (الكُفْرة) وكان بدء الرحلة في 22 – شوال – 1312- هجري – 18 – إبريل – 1895 ميلادي. ووصولها إلى الكفرة يوم الجمعة – 15 – ذي القعدة – 1312 هجري – 10 – مايو – 1895 – ميلادي. حيث مكث بالكفرة أربعة أعوام و نصف .. ثم رحل منها إلى مقاطعة تشاد بالسودان " أفريقيا".. وكان بدء الرحلة في شهر جمادي الثانية - 1317 - هجري – أكتوبر – 1899 - ميلادي. ووصولها إلى بلدة (قَرْو) في منتصف شهر رجب - 1317 - هجري. ومكث بها عامين و نصف حيث قام خلالها بمحاربة القوات الفرنسية .. وفي يوم الأحد- 23 – صفر – 1320 هجري – 1 – يونيو – 1902 ميلادي. كان على موعد مع القدر المحتوم .. ونقل جثمانه الطاهر على إثر ذلك إلى بلدة (الكُفرة) حيث مثواه الأخير.

(نساؤه)

تزوج الإمام محمد المهدي السنوسي ثمانية من النساء هُن: السيدة فاطمة العمرانية والسيدة عائشة الحدوثية والسيدة خديجة البوزيدية والسيدة فاطمة الحدوثية أيضاً والسيدة عائشة البوسيفية والسيدة فاطمة الغمارية والسيدة خيرية الخطابية والسيدة خديجة البوسيفية ... ومن الأولاد ستة عشر مولوداً، ثمانية من الذكور وثمانية من الإناث ..عاش من الذكور فقط إثنان هما السيد محمد إدريس السنوسي ملك ليبيا وأخوه السيد محمد رضا ولي العهد الأول "والد السيد الحسن الرضا ولي العهد الثاني".. ومن الإناث أربعة هن الأميرات السيدة صفية والسيدة نفيسة والسيدة فاطمة الحسنية والسيدة عاتكة والتي توفيت بعد والدها و قبل زواجها.
(حليته)
كان الإمام المهدي السنوسي مُدور الوجه واسع الجبين أزهر اللون إلى البياض أقرب؛ كث اللحية على خده الأيمن خال؛ ربعة إلى الطول أقرب؛ عرض الكتفين والمنكبين واسع الثغر مُفلج الثنايا أقنى الأنف أقرن الحاجبين أدعج العينين أزيل الفخذين أي فيها إنفراج قليل؛ قليل الكلام خاشع قانت وفي لسانه شيئ من الثقل وإذا أبطأ عليه الكلام ضرب بيده اليمنى على فخذه اليمن، لونه عربي أي أبيض مُشربٌ بحمرة، خُلُقُه نبوي يملأ عين من رآه هيبة ولا يستطيع من جالسه أن يُصَوِّب إليه نظره إلا خِلسة.

(السيد محمد الشريف السنوسي)



هو الإبن الثاني للإمام محمد بن علي السنوسي، كانت ولادته عام – 1262 – هجري – 1846 ميلادي. داخل الزاوية السنوسية في بلدة درنة، ودرنة بلدة صغيرة تقع على شاطئ البحر الأبيض كثيرة المياه والفواكه جميلة المنظر في منتصف الطريق بين طبرق والبيضاء وكان اسمها زمن العهد اليوناني (دارنيس) وقد تغير اسمها بعد الفتح الإسلامي وأصبحت تُسمى (درنة) وبها شهداء كثيرون من الصحابة رضوان الله عليهم، والمشهور منهم الأمير الشهيد (زهير بن قيس البلوي) الذي كان في وقته أميراً لبرقة وأفريقيا، وكان استشهاده عام 86 هجري.


نشأ السيد محمد الشريف في بلدة درنة ترعاه والدته وتعتني بتربيته هو وأخيه السيد محمد المهدي، وقد كان لجده لأمه السيد أحمد بن فرج الله الفيتوري دوراً إيجابياً في رعايته وتربيته و توجيهه لأن والده تركه صغيراً جداً حيث سافر إلى الحجاز، وعندما بلغ السادسة من عمره بعث والده في طلبه عام 1268 هجري -1852 - ميلادي. فتوجه صحبة والدته وجده وكثير من الإخوان يرأسهم السيد عمران بن بركة الفيتوري، وفي مكة أخذ علوم القرآن العظيم مع شقيقه محمد المهدي على الشيخين الجليلين (محمد بن إبراهيم الغماري) و(أحمد البقالي، وفي عام 1269 – هجري – 1853 – ميلادي. تركهم والدهم بمكة وعاد إلى برقة و عند وصوله إلى برقة نزل بزاوية (العزيات) وأمر بتأسيس زاوية الجغبوب وعند الإنتهاء من التأسيس رحل إليها برفقة أتباعه عام 1273 – هجري – 1857- ميلادي. ثم بعث في طلب إبنه الكبير محمد المهدي أولاً ثم طلب حضور إبنه السيد محمد الشريف، وعند وصوله الجغبوب بدأ السيد محمد الشريف تلقي العلوم الشرعية على حضرات الشيوخ عمران بن بركة الفيتوري الزليتني الطرابلسي والشيخ أحمد بن عبد القادر الريفي والشيخ عبد الرحيم بن احمد المحبوب والشيخ محمد بن إبراهيم الغماري الصغير.. ثم رأى والدهما أن يزوجهما ..فعقد للسيد محمد الشريف ولشقيقه على كريمتي شيخهما البارك السيد (عمران بن بركة الفيتوري) وبعد هذا القِران بفترة قصيرة تُوفِي الوالد العظيم السيد محمد بن علي السنوسي.

(نبوغ السيد محمد الشريف في العلم والتعليم)

بقي الإبن محمد الشريف وشقيقه محمد المهدي والذي قام مقام الوالد، واستمر الأخوان في أخذ العلم على الشيوخ الذين سبق ذكرهم حتى بلغا مبلغ الرجال بعدما نالا قسطاً عظيماً من العلوم المختلفة.. وبعد الإنتهاء من الدراسة ألزم السيد محمد الشريف نفسه القيام بالتدريس في معهد الجغبوب حيث فتح الله عليه فتوحات خارقة حتى صار إماماً بارعاً في العلوم الدينية والعربية والأدبية.. فقصده طُلابُ العلم من كل حدبٍ و صوب وخاصة كبار الطلبة من الإخوان السنوسيين.. وتخرج عليه علماء أعلام فطاحلة كانوا يعتزون بإنتسابهم إليه وأخذهم العلم عنه.. وهكذا أمضى حياته السعيدة بجلائل الأعمال فلم يترك التدريس بمعهد الجغبوب إلا في سنة وفاته.

(وفاته)

بعد العطاء المضني والمستمر للنفوس الكبيرة كما قال الشاعر:

وإذا كانت النفوس كبارا تعُبت في مرادها الأجساد

اشتدت وطأة المرض على السيد محمد الشريف ومع ذلك لم تمنعه المعاناة من القيام بجميع الشؤون الداخلية والإدارية للحركة السنوسية من قريب أو بعيد حسبما خوله ذلك شقيقه الأكبر السيد محمد المهدي، فكان نائبه وخليفته في الجليل والحقير .. حتى وافاه الأجل المحتوم في – 27 – رمضان – 1313 هجري – 12- مارس–1896 ميلادي. رحمه الله تعالى ورضي عنه وأسكنه فسيح جناته في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن ألائك رفيقاً.

(زوجاته)

توفي رضي الله عنه عن أربع زوجات هُن والدة المجاهد العظيم السيد (أحمد الشريف) والثانية والدة السيد (محمد هلال) والثالثة والدة السيد (محمد صفي الدين) والرابعة والدة السيد (محمد عابد) وشقيقه، وقد خلف من الأولاد الذكور خمسة هم: أحمد الشريف – محمد عابد – علي الخطابي – محمد هلال – محمد صفي الدين. ومن البنات ثلاثة هن: السيدة فاطمة السنيه والسيدة سُكينة والسيدة عائشة.

(حليته)

كان متوسط القامة أبيض اللون أدعج العينين سائل الخدين رقيق الحواجب بدين الجسم خفيف العارضين بهي المنظر.. وكان عالي الهمة يهوى المطالعة الكثيرة وقراءة الكتب النادرة كما كان قواماً صواماً رحمه الله وأسكنه أعالي الجنان آمين.

تم بحمد الله وعونه القسم الأول من كتاب الفوائد الجلية في تاريخ العائلة السنوسية

وسيتبعه القسم الثاني

القسم الثاني من كتاب الفوائد الجلية في تاريخ العائلة السنوسية

السيد – أحمد الشريف السنوسي

(مقدمة المؤلف)

الحمد لله الذي جعل العلماء هداة الأمة وأزاح بشموس معارفهم ظُلم الجَهلِ المُدلَّهمة وقص علينا في كتابه العزيز من أخبار من تقدمنا من الأمم لنعتبر ونتدبر ونسلك السبيل الأقوم و نتذكر والصلاة والسلام على من رفع الله به عَلَمَ الإسلام وحلاَّهُ بمكارم الأخلاق وشرَّفه على سائر الأنام فجاهد في الله حق الجهاد و قاسى الشدائد في نشر كلمة لا إله إلاَّ الله بين العباد صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الذين قاموا بعده بنشر دينه وخاضوا لُجّجَ الشدائد لبقاء عزته حتى عم دين الإسلام المعمورة وانتشر واعتلت كلمة لا إله إلا الله و الله أكبر.

وبعد ... فإني لما رأيت الحاجة ماسة إلى تدوين ما لا بد منه من سيرة البائع نفسه لله والمجاهد بماله و نفسه في سبيل الله حامل لواء الجهاد والحرية وبطل الحروب الليبية خادم الإسلام السيد (أحمد الشريف السنوسي) ورأيت غيري مِمَّن وجب عليهم حقه ورُبُوا في أسعد أيامه وفضله قد غفلوا أو تغافلوا عن أداء ما يوجب عليهم نحوه .. وإن كان التاريخ قد سجل له في النفوس ما هو جدير به .. إلا أن التسجيل للقراء على الصفحات الناصعة البيضاء أمر ضروري لا يختلف فيه إثنان لِمَا في ذلك من تقدير للرجال العاملين وإحياءً لذكراهم في كل مناسبة وذلك للإقتداء بسيرهم الحميدة وأعمالهم الخالدة المجيدة .. ثُم للعظة والذكرى وما في ذلك من قدوات في حياة الناس وما فيها من رجال عاملين قادهم إخلاصهم إلى رضوان ربهم وخدمة دينهم ووطنهم والإنسانية جمعاء. وللقيام بهذا الواجب الإنساني خامرتني فكرة إصدار ما أمكنني جمعه من سيرة بطلنا العظيم (أحمد الشريف) إلا أن هذه الفكرة بقيت تتردد في مُخَيِّلتي من حين لآخر مدة من الزمن فكنت ما بين إحجامٍ وإقدام لعِلمي بقصوري عن إدارك الكمال ... غير أن الرسالة التي في عنقي والأمانة التي أصبحت أحملها دفعتني للتشمير عن الساعد لإظهار ما تيسر لي في هذا الكتيب المختصر ليكون نبراساً يُهْتَدَى به في شجاعة وصبر وتضحية ذلك العملاق الأشم (والحق ما شهدت به الأعداء) إلى آخر لحظة من حياته الحافلة بجلائل الخيرات فهو جدير بأن يُقال عنه:

((هيهات لا يأت الزمان بمثله إن الزمان بمثله لبخيل))

ولعلَّني أكون قد قمت بعُشر معشار ما وجب عليَّ وعلى غيري من أفراد الشعب الليبي الكريم نحو بطل ليبيا وفخرها العظيم الذي جهله أكثر الناس أو تجاهلوا ما قام به من جهاد مضني وأعمال جليلة نسبوها لغيره !! وما السيد (عمر المختار) وغيره من قادة الجهاد الليبي إلا قطرة من بحره أو رمية من سهمه ... والله يقول وهو أصدق القائلين (ولا تَبْخَسُوا الناس أشياءهَم) ويقول الرسول الأعظم سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه (من لم يشكر الناس لم يشكر الله).

لِمَا تقدم ذكره توكلت على الله واعتمدت عليه ثم أقدمت على إنجاز ما فكرت فيه ... وها هو ذا بين يديك أيها القارئ الكريم ..فما وجدت من تقصير أو سوء تعبير فبكمالك أُكَمله .. وما ظهر لك من خطأٍ فأنا أهله و محله .. واستغفر الله منه، وهي بضاعة ولا شك مرضية لدى أرباب العقول السليمة والأفكار الصائبة والقلوب الحكيمة .. وإن رائدي له و حافزي عليه هو الإخلاص تقديراً لعمل العاملين وإشادة بذكرى القادة المُخلصين ... والله من وراء القصد وعليه المعول والمعتمد

ترجمة حياة رئيس المجاهدين السيد أحمد الشريف السنوسي

نسبه: هو العالم العامل والسيد الكامل قدوة العاملين وبقية السلف الصالحين مُحْي سُنَّةَ الجهاد وخُلاصة عترة خير العِباد السيد ( أحمد بن محمد الشريف بن محمد بن علي السنوسي الخطابي الإدريسي الحَسَنِي).

ولادته: كانت ولادته المباركة عام 1290 هجري - 1873 ميلادي. في واحة الجغبوب، المركز الروحي الأول للحركة السنوسية، والواقعة جنوب شرق مدينة طبرق في آخر حدود ليبيا الشرقية المتاخمة للحدود المصرية وبالقرب من واحة سيوة المشهورة.

نشأته: تربى رحمه الله ونشأ في حجر والده السيد محمد الشريف السنوسي، وحينما ترعرع وبلغ السادسة من عمره دخل تحت كنف عمه السيد محمد المهدي ، حيث بدأ في تعلم القرآن وحفظه على يد أستاذه الأول الإمام ممد المهدي حتى حفظ جزءً كبيراً منه ، ثم أمر عمه أن يُتم حفظ القرآن على شيخ الجغبوب وإمامه في وقته وأحد تلاميذ جده السيد (محمد بن مصطفى المدني التِلْمِساني) فكان يعرض ما يكتبه على اللوح قراءة ً أمام عمه فإذا أجازه ذهب إلى أستاذه المدني ليحفظ على يديه، و هكذا حتى أتَّمَ حفظه وإتقانه وحتى قال له الإمام محمد المهدي: أنت ما أخذت القرآن إلا عني. ولذلك كان رحمه الله يفتخر ويعتز بهذه الميزة العظيمة التي لم يشاركه فيها غيره. كما كان إبَّان حفظه للقرآن يعرض يومياً ما يتلقاه على والده السيد محمد الشريف وعلى شيخه السيد أحمد بن عبد القادر الريفي رحمة الله عليهم أجمعين.

شيوخه: بعد إتقانه للقرآن حفظاً وتلاوة، بدأ يتلقى سائر العلوم على الشيخين الجليلين جده لأمه السيد (عمران بن بركة الفيتوري) والسيد (أحمد عبد القادر الريفي) ولم ينقطع عن طلب العلم على يد "الأب الروحي" شيخه محمد المهدي السنوسي حيث لازمه حتى عام 1312 هجري - 1894 ميلادي.

(رحلته مع عمه ووالده من الجغبوب إلى الكُفْرَةٍ)

رافق السيد أحمد الشريف والده و عمه إلى بلدة الكُفْرَةٍ جنوب برقة عام 1312 هجري – 1894 ميلادي. وفارق شيخه أحمد الريفي لبقائه خليفة في الجغبوب. أمَّا شيخه وجده لأمه (عمران بن بركة الفيتوري) فقد تُوفِيَ قبل الرحلة بسنتين رحمه الله تعالى.

ومنذ بلوغه الخامسة عشرة من عمره، كان السيد أحمد الشريف هو اليد اليمنى العاملة و الفاعلة في بيتي والده وعمه، فقد كان رسول عمه و المبلغ عنه أوامره لإخوانه وزواره، كما كان أيضاً الساعد الأيمن لأبيه في الجليل والصغير من الأمور خاصَّة عندما بدأت صحة والده في التدهور.

وعندما تهيأ السيد أحمد الشريف للرحلة من الجغبوب إلى الكُفرة، كان قد بلغ من العمر إثنين وعشرين عاماً، وكان يحمل على عاتقه متاعب ومشاق هذه الرحلة الجامعة لما ينوف عن ألفين وستمائة ً (2600) شخصا ما بين كبار وصغار وذكور وإناث، وما تتطلبه هذه الجموع العظيمة من أسباب الراحة والإدارة ولوازم الإعاشة والسكن إلى غير ذلك من الأمور التي يعجز عنها عظام القادة العسكريين ، فكان يتلقى الأوامر من عمه ووالده ويقوم هو بدوره بإبلاغها إلى حضرات الإخوان المختصين وتوزيع الأعمال كل حسب إختصاصه. ولقد دامت هذه الرحلة قرابة ثلاثة أشهر قُطعت خلالها أكثر من ألفٍو ثلاثمائة (1300) كيلوا متراً في صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا مأوى إلا ما كان على ظهور الإبل البالغ عددها ثلاثة آلاف جملاً.

وهكذا نشأ السيد أحمد الشريف السنوسي وتربى على تحمل المشاق والمسئوليات العظام، ولم يعرف الركون للراحة يوماً ما طيلة حياته الحافلة والمليئة بالمخاطر والأمور التي تشيب لها نواصي الرواحل من الرجال.

فبعد أن تمت الرحلة ووصلت الكُفرة واستقرت أياماً قلائل، اشتد الألم بوالده الذي ترك أهله وأولاده في الجغبوب ورافق شقيقه السيد محمد المهدي والذي كان يرى فيه القدوة والمُربي والشيخ والوالد لا كشقيق فقط، والسيد محمد الشريف هو ذاك العالم العامل والسيد الكامل قدوة الصالحين وإمام العلماء العاملين إذ كان رحمه الله بحراً زاخراً بعلومه ومورداً عذبا سائغاً لمن أتاه راغبا ًً في النهل من سلسبيل علومه ومعارفه، قضى حياته السعيدة في طلب العلم ونشره واقتدى بسيرة أجداده وسلفه فكان كعبة طلاب العلم، ولم يمنعه هذا كله من أن يكون لشقيقه كالإبن البار الرحيم

(عودة والده السيد محمد الشريف إلى الجغبوب و وفاته بها)

استأذن السيد محمد الشريف من أخيه و شقيقه محمد المهدي في العودة إلى الجغبوب فأذن له بعد تردد كثيرٍ لما في ذلك من فراق أخوين حبيبين قد تربيا وعاشا مدة نصف قرنٍ كامل لم يذوقا طعم الفراق بينهما والبعد عن بعضهما ولو يوماً واحداً. لكن المقادير إذا حان أوانها فإنها تجري بأمر الله بحسب قضائه و قدره سبحانه.

عزم السيد محمد الشريف أمره للعودة ورتب لوازم رحلة عودته ، فكان ليوم خروجه من الكفرة لوعة قاسية حيث غادر الكُفرة في اليوم الثالث عشر من شهر صفر – 1313 هجري – 5 – أغسطس – 1895 ميلادي. وفي رفقته إبنه البار صاحب الترجمة السيد (أحمد الشريف ) مدة ثلاثة أيام، وقد اشتدت وطأة الآلام بالسيد محمد الشريف إلى درجة أن ابنه وعموم الإخوان الذين كانوا مرافقين لسيادته قرروا العودة به إلى (الكُفْرة) لشدة ما رأوا من تدهورٍ لحالته الصحية، غير أنه رحمه الله لم يركن إلى هذا القرار واعتزم موالاة السفر توكلاً واعتماداً على الله تعالى.

ولعلمه بحاجة شقيقه السيد محمد المهدي إلى ابنه البار المرافق له السيد (أحمد الشريف) أمره بالعودة لخدمة عمه (محمد المهدي) وشد أزره مؤثراً أخيه على نفسه، فما كان من السيد أحمد الشريف إلا أن لبَّى رغبة واله بإمتثال أمره وتقدم لوداعه الأخير باكيَ العين حزين القلب جريح الفؤاد.

عاد إلى عمه وقام بما كان يقوم به والده من إدارة كافة الأعمال الرحلة ومتعلقاتها وبقي قرابة عام على تلك الحالة حتى أول عام 1314 هجري – يونيو 1896 – ميلادي. حيث حضر إخوانه ووالدتهم بعد وفاة والده رحمه الله في الجغبوب في 27 – رمضان – 1313 هجري – 12 – مارس – 1896 ميلادي. وكان يرأس القادمين شيخه السيد (أحمد الريفي)، وبعد وصول هذا الوفد للكفرة خفَّت المسئولية عن السيد أحمد الشريف نوعاً ما.

(زيارته لوالده و جده في الجغبوب)

كان تأثره لوفاة والده عظيماً جداً، ولذلك التمس من عمه الإمام (محمد المهدي) الإذن له بزيارة والده وجده السيد محمد بن علي السنوسيي، فأذن له وتوجه إلى الجغبوب وبعد تمام الزيارة قفل راجعاً، وبعد عودته شرع ثانياً في تلقي العلوم على شيخه السيد أحمد الريفي.

(رحلته مع عمه الإمام محمد المهدي إلى قرو بالسودان)

غير أن المدة لم تطل للإمام السيد محمد المهدي في الكُفرة ولم يقم بها سوى أربعة أعوام ونصف بداية عام 1313 هجري – 1895 ميلادي. وفي النصف الأخير من عام 1317 هجري – 1900 ميلادي. رحل الإمام محمد المهدي عن بلدة الكُفرة بأتباعه و عوائله جميعاً إلى جهة الجنوب حيث دامت الرحلة مدة شهرين تقريباً حتى وصل الركب بلدة (قَرْو) في منطقة (برقو) إحدى مقاطعات تشاد (1) التابعة للسودان الفرنسي، وفي (قرو) توجد زاوية للسادة السنوسية كما توجد في السودان الفرنسي عدة زوايا في الأماكن التالية: وادي كلك – أرضا - علالي – وجنقة الكبرى – وجنقة الصغرى – ون. وغيرها، وبعد وصول السيد المهدي إلى (قرو) استقر بها و انتشرت دعاته في مختلف مدن السودان .. انتشرت تعاليم الدين الإسلامي حيث كانت الوثنية ضاربة أطنابها في عموم أنحاء السودان إلاَّ ما قل، ولذلك كانت فرنسا مرتاحة لحالة السودان؛ لكن لما قدم الإمام السيد المهدي وبدأ في الدعوة إلى الله وهبَّ السودانيون لإمتثال دعوته واعتناق الديانة الإسلامية فزعت هناك فرنسا وجندت جيوشها الجرارة وبدأت تتتبع السنوسيين بإعلان الحرب عليهم في تلكم الجهات، فقابلهم الإمام المهدي بالمثل ونشبت الحرب واشتد أوارها بين الفريقين، ووقف السودانيون إلى جانب السنوسيين وكان بدء القتال سنة 1319 هجري – بالمكان المُسمى (علالى) حيث توجهت إليها من (فرلمي) الحملة الفرنسية المكونة من المشاة والهجانة والتي كان ينوف تعدادها عن الثلاثة آلاف مقاتل مزودين بالسلاح والمعدات الحديثة .. فدافع الإخوان السنوسيون في (علالي) دفاع الأبطال وصدوا هذه الحملة تاركة وراءها أشلاء الموتى وجثثهم. ثم عاود الفرنسيون الكرة بعد الفرة وعادت قواتهم ثانية إلى (علالي) ودارت رحى الحرب وأسفرت المعركة أيضاً عن هزيمة الفرنسيين .. واستشهد في المعركتين من أبتاع السنوسيين ما يزيد عن المائتين شهيداً .. ومن الفرنسيين ما ينوف عن الخمسمائة قتيل بينهم خمسة وعشرين (25 ضابطاً) برتبٍ مختلفة؛ وعادت الحملة الفرنسية كرات كثيرة وعمت الحرب أنحاء السودان الفرنسي وتوالت النجدات إلى المجاهدين من برقة، وفي هذه الأثناء مرض الإمام المهدي حيث أصابه ألمٌ يشبه الحُمى فكان يخف أحياناً ويشتد أحياناً مع ملازمة الإسهال الشديد لسيادته ... وهكذا دامت حالته ما يقرب العشرين يوماً ثم ما قدره الله له وأراده والأمر بيد الله يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، فسبحانه من إله عظيم قادر رحيم يحي ويميت وهو حي دائمٌ أبدا لا يموت بيده الخير وإليه المصير وهو على كل شيء قدير.

(قيام السيد أحمد الشريف بالأمر بعد عمه)

نعود إلى الوراء قليلاً لنعرف منطلقات الدعوة السنوسية من أول لحظة ومن أول يوم. لقد قام السيد محمد بن علي السنوسي بالدعوة إلى الله والدلالة عليه والحض على العمل بكتاب الله والتمسك بما صح من سنة رسوله السمحة دون غلوٍ أو تفريط وذلك بتحري أقواله وأفعاله الله صلى الله عليه وسلم من خلال ما أثبتته الروايات الصحيحة سواء كان ذلك عند السادة المالكية أو الشافعية أو الحنابلة أو الأحناف، هذا مع كون مذهبه مالكي. وكان ابن السنوسي يقول دائما: "مذهبنا مالكي ونعمل بالحديث" وكان خلاف المالكية يتعوذ ويجهر بالبسملة مع الفاتحة والسورة، ويُؤَّمِن ويرفع يديه عند الركوع والرفع منه، ويرفع يديه كذلك أثناء دعاء القنوت ويُسلم على الجهتين بعد التشهد الأخير؛ يفعل ذلك كله لثبوت فعله - صلى الله عليه وسلم - لها. كان ذلك دأب الإمام السنوسي الكبير وتصدر للفتوى وأوقف نفسه لله تعالى آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر نافعاً للعباد مرشداً لهم إلى الطريق المستقيم حاضاً على الأعمال المرضية لرب العباد والنافعة لهم ... فسخر الله له القلوب ببركة حُسن نيته وإخلاصه في عمله..و تعلق به مريدو الخير ومحبوه، ولمس فيه الخاصة والعامة النفع بالله تعالى فلزموا غرزه واقتدوا بأفعاله وصاروا رهناً لإشارته وبادروا بتنفيذ أوامره المفيدة والمحددة فيما يختص بنفعهم في شؤون الدين والدنيا؛ وكان ذلك كله بتوفيق من المولى سبحانه وعونه (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) وكان رحمه الله ممن نور الله بصائرهم وفتح عليهم ... وكان يُكثر من ذكر تسلط الأعداء وكثرة الأهواء، ومما كان يحذر منه استيلاء حكومة (النابلطان) بلغته أي الطليان على طرابلس الغرب وبرقة وفزان والجبل الأخضر.. ويذكر بعض القبائل قائلاً: إن آل فلان يصدقون و آل فلان يوالون العدو إلى غير ذلك من الإلهامات التي ظهرت عياناً كظهور الشمس في رابعة النهار بعد مرور ما يزيد عن خمسين سنة من ذكره لها وقبل وقوعها؛ ومن هنا تشبعت نفوس الليبيين بروح المقاومة والعداء للإيطاليين قبل معرفتهم واستعدوا لمواجهة تلك الوقائع، وكان السيد محمد بن علي السنوسي يذكر في إشاراته حصول النصر والفرج بعد تلك الشدة ويومئذً (يفرح المؤمنون بنصر الله) والحقيقة التي لا ينكرها السنوسيون وأتباعهم أن الجهاد ومقاومة السنوسيين للطليان مدة تزيد عن ربع قرن كان سببها الحقيقي تلكم الروح التي أذكاها السيد محمد بن علي السنوسي في نفوسهم والأمور التي أخبر بها والفرّج الذي بشر به. لذلك ومما تقدم يتضح للقارئ الكريم أن الحركة السنوسية لم تقم بحد السيف ولم تكسب القلوب بالدرهم والدينار أو بالحيلة.. وإنما قامت على الدعوة لله وحده والنصح لعباده والسعي إلى السعادة والإنقاذ من الجهالة والإنحراف... فكانوا يبنون المساجد ويوفرون المعلمين لأبناء البلد ويسعون للألفة بين الناس ونبذ الضغائن والشقاق.. يعلمون المواطنين أمور دينهم التي يتعبدون بها الله على بصيرة ولا يسألونهم على ذلك أجراً .. وبذلك عم َ النفع وحصلت الفائدة واجتمعت الكلمة وتآلفت القلوب. دام على ذلك الإمام محمد بن علي السنوسي مدة حياته وتابعه علماء جهابذة تخرجوا من مدرسته وتشبعوا بروحه وسلكوا طريقه وبايعوه على الإستماتة في سبيل مواصلة دعوته؛ فلما تُوفي اجتمع هؤلاء الجهابذة الأعلام وقرروا الالتفاف حول السيدين الصغيرين فشبا على الكمال والإستقامة وسلكا مسلك والدهما وطريقه ... ولما قدر الله وفاة السيد محمد الشريف ثم بعده بثمان سنوات لحقه شقيقه السيد محمد المهدي، أصبح السيد (أحمد الشريف) الشخص الوحيد من العائلة السنوسية لوراثة مسؤولية عمه وذلك لأنه تشرف بخدمته وملازمته مدة تزيد عن العشرين عاماً تشبع خلالها بمبادئه السامية وتخلق بأخلاقه العالية واطلع على بواطن أمره وظواهره حتى أصبح نسخة منه إذ أجازه عمه بكل ما يصح له وعنه حسب القانون المُتبع عند الشيوخ فقام بالأمر أتم قيام و سير الأعمال على حسب ما يُرام، سلك مسك واله وعنه فلم يستبد بسلطته ورأيه بل اتخذ شيخه وشيخ واله وعنه السيد (أحمد الريفي) قدوته ومرجعه في كل جليل وحقير وملَّكه زمام أمره فلا يصدر إلا عن رأيه ولا يعمل إلا بمشورته وموافقته مع حُنوه وعطفه على إخوانه وبني عمه وتفق أحوال الكبير و الصغير .. أما فيما يخص الشأن الخارجي وخاصة الحرب والجهاد ضد فرنسا فإنه لم يحد عن خطة عمه التي رسمها لهم، بل زاد بهمته وعزيمته فكان يرسل الإمدادات الواحدة تلو الأخرى و كلما بان خللٌ في ناحية بادر إلى تداركه وسده .. وكما تقد كانت أموره كلها لا تصدر إلا عن مشورة شيخه (أحمد الريفي) وبأمره، وهكذا دامت الحالة زيادة عن العام في (قرو) بعد وفاة السيد المهدي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الجزء الرابع مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أهلا وسهلا بكم في منتديات الجنيد :: منتدى الثقافي-
انتقل الى: